أحمد بن علي الرازي

223

شرح بدء الأمالي

وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [ البينة : 7 ] . فالله تعالى يدخلهم الجنات ، ويكرمهم بألوان الكرامات ويلبسهم يعنى حللا ، ويضع على رؤوسهم تاجا مكللا ، ويسكنهم في القصور من النور ، ويزوجهم من الحور يتبخترون مع السندس والإستبرق والحرير ويجلسون على المذهب والمفضض ، يركبون على البراق ، ويجدون البقاء والتلاق ، طعامهم الزنجبيل ، وشرابهم السلسبيل ، وخدامهم الملائكة ، وغلمان وولدان [ 142 ] وجيرانهم الأنبياء والأولياء والحور الحسان ، ويجرى من السلسبيل شراب أربعة ؛ أنهار ماء ، قوله تعالى : أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ . قوله تعالى : وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ . وعسل ، قوله تعالى : وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى . وخمر ، قوله تعالى : وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [ محمد : 15 ] . فيشربوا من كلها ، والخمر ألذ من جميعها ؛ خمر الدنيا يذهب الجمال والمال والعقول ويجعل صاحبها مجنونا مخذولا مخرب المأوى ، ويبعد عن المولى ، يكون حبيبا للشيطان ومسخوطا إلى الرحمن وملعونا في جميع الكتب والفرقان ، مطرودا من الجنان ، مطروحا في النيران . وخمر العقبى يزيد في العقل والجمال ، ويوصل صاحبها إلى العيش والهناء ويعمر مأواه ويصل إلى مولاه ، ولا يجعل الشكر يزيد بحسن الأبدان ، فالمؤمنون إذا رأوها شربوا ثم طربوا ثم قاموا عليها ثم عاشوا ثم طاروا واطلبوا فمن وجدوا قربوا ، ثم فرحوا عرفوا ثم نزلوا كشفوا ، ثم حضروا نظروا ثم شخصوا أبصروا وأنسوا وما في النعيم قد نسوا إذ هم في جيران محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، نعم المأوى ونعم الوطن ، نعم النعيم ونعم المسكن ، ولا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم في كل وقت [ 143 ] يزيد جمالهم ، ويجددهم بالنور جل جلاله يزدادون جمالا كما يزدادون في الدنيا هرما . * * * فصل في خلود أهل الجنة فلا شك أن المؤمنين بهذه الصفة في الجنة خالدين ، فذكرنا الدلائل على صفة ودلائل أخرى قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ البقرة : 82 ] . وقوله : وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا قَوارِيرَا [ الإنسان : 15 ، 16 ] .